د. طارق البكري

موقع أدبي وقصصي ونقدي خاص بالأطفال واليافعين والشباب
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الصفحات البيضاء

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 120
تاريخ التسجيل : 28/09/2013

مُساهمةموضوع: الصفحات البيضاء    الأربعاء أكتوبر 02, 2013 3:16 pm


قصة قصيرة بقلم: د.طارق البكري

كانت أوراق الكتب القديمة سميكة وخشنة، وكان حجم الكتاب أضخم بكثير من هذه الأيام، وربما احتاج الكتاب الواحد أن يكون من عدة أجزاء.. وهذا يستدعي بضعة رجال أشداء لينقلوه من مكان إلى مكان.
والشيء المدهش فعلا أن صفحات الكتب، من كثرة تصفح الناس لها في الأيام البعيدة الماضية، ومن كثرة استماعها لتعليقاتهم ومحاوراتهم المتنوعة، أصبحت الأوراق تتكلم.. وربما تكون هذه الحقيقة صعبة التصديق.. لكن الأوراق كانت تخاطب بعضها وتخاطب الآخرين أىضًا، وكانت تعبر عن رأيها بصراحة ووضوح.
ومع مضي الزمن، وبعد أن هجر الناس القراءة والكتب، وبعد أن ملّ الناس القراءة، وأصبحت الكتب زينة الدور والقصور، تظل موضوعة بعناية على الأرفف وفي المكتبات، نسيت الأوراق لغة الكلام.. وأصبحت خرساء بكماء، لا تسمع ولا تتكلم.
وفي ذلك الزمن الذي كانت فيه الكتب والأوراق تتكلم، كان هناك كتاب قديم يعتز به صاحبه، ويفخر بما فيه من معلومات مهمة وضرورية.
وذات يوم، وفيما كانت الأوراق تتناقش فيما بينها في بعض الأمور، كانت مجموعة قليلة من الأوراق البيضاء موجودة في الكتاب تنصت إليها باهتمام كعادتها دون أن تتكلم.
لكن ورقة بيضاء صغيرة، خرقت عادة أخواتها، وتنهدت ثم قالت بصوت مرتفع: ما أشد رتابة حديثكن.. إنكن دائما تتناقشن في موضوعات مملة، تأملن وجهي الجميل الناصع البياض، أليس ذلك أجمل من صفحاتكن الملطخة بالأحبار؟!
ثم غنّت بصوت مرتفع: ما أحلاني.. ما أجملني.. أنا الورقة اليبضاء.. ترللا.. ترللا.
التفتت صفحة حكيمة، كبيرة في السن تحترمها جميع الأوراق، وقالت: اهدئي يا ابنتي.. ولا تفتخري ببياضك.. نحن نعلم أنه لا قيمة لصفحات بيضاء في كتاب، وأنت في الأساس لست مناسبة لتكوني معنا، كما أنك حللت بيننا بطريق خطأ، ورغم ذلك احتضناك واحترمناك ولم نتفاخر عليك.
هنا قالت صفحة بيضاء أخرى يبدو أنها انزعجت من كلام الورقة الحكيمة:
من حشرنا بينكن مخطئ بلا أدنى شك، يجب ألا نكون أصلا بين دفتي كتاب واحد، فأنتن تلوثن بياض ثيابنا بالحبر والألوان.
هنا قالت صفحة بيضاء ثالثة يبدو أنها كانت نائمة: ما هذه الضجة الغريبة، أريد أن أنام.. توقفن عن هذه الثرثرة.. خ.. خ.. خ.
قامت صفحة شابة، لكنها مزدحمة بالكلمات، وصارت تضحك بسخرية واضحة.
غضبت الأوراق البيضاء.. وصاحت بصوت واحد: لماذا تسخرين منا؟
قالت ببرود: أنتن لستن صفحات بيضاء فقط.. بل وفارغات أيضا.
حاولت الصفحة الحكيمة تهدئة الخواطر.. لكن أحدًا لم يكن يستمع إليها.
انزعج صاحب الكتاب من هذا الجدال، وتضايق جدا، فأمسك بالأوراق البيضاء ومزقها ورقة ورقة.. وخلَّص الكتاب منها ثم رماها في سلة النفايات.
أطلّت ورقة مسكينة صغيرة في السن لم تشارك في الحوار من فتحة السلة، وتنشقت قليلا من الهواء النقي بعد أن كادت تختنق، ثم تنهدت عميقا وقالت: لقد جنى علينا حمق صفحة جاهلة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bakri.ibda3.biz
 
الصفحات البيضاء
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
د. طارق البكري :: القصص القصيرة جداً :: المنتدى الأول :: القصص القصيرة جداً-
انتقل الى: